خليل الصفدي

296

أعيان العصر وأعوان النصر

الدواوين ، قام فيه مدّة ؛ لينقذ الهاوين ويصدّ الغاوين ، ثم إنه بعد مدة ولاه نيابة بعلبك فسدّها ، وعرف رسمها وحدها ، ثم إنه بعد ذلك توجه إلى طرابلس أميرا وأقام بها . ولم يجد لعيشه في دمشق نظيرا ، إلى أن نزل في رمسه « 1 » ، واستوحش أحبابه من أنسه ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في . . . كان قد باشر الشدّ على الزكاة مدة ، وخلا شد الدواوين في دمشق مدة ، فولاه الأمير سيف الدين تنكز شد الدواوين في آخر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، هو وعماد الدين بن صصرى ، ثم إنه ولاه نيابة بعلبك في السادس عشر من صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة . وكتبت له مرسوما بنيابة بعلبك ونسخته : أما بعد حمد اللّه الذي نصر هذا الدين بالسيف ، ورفع بولاة الأمور عن ضعيف الرعية ثقل الخيف والحيف ، وأمر الحق في أهله بحسن نظرهم الذي ينتقي الزين ، وينتقد الزيف ، وعرم البلاد بعدلهم الذي إذا طلعت شموسه النيرة ، وكان الظلم معها سحائب صيف ، وقمع المفسد بمهابتهم التي منعت جفونه أن تجد رجعة هجعة أو ضيف طيف ، وجمع حكمة الإيمان ببأسهم الذي إذا دعاه مهمّ لم يقل له متى ولا كيف . وصلاته على سيدنا محمد خير من أطعنا نهيه وأمره ، وأشرف من كحل سواد أمته طرف الزمان وكان أمره ، وأفضل من ساد بشرفه زيد الخلق وعمره ، وأكرم من كان له من الناس على العدل أفضل قوة ، وعلى الإحسان إليهم تمام قدره ، وعلى آله وصحبه الذين أمضوا فضله وأعزوا نصره ، وأطاعوا من جعلوا له عليهم الأمر والإمرة ، وجبلوا على محبته فما نهى أحدهم عن شيء فكره ، أن لا يكون فيه فكره ، وهجروا الأهل والوطن في طاعته ، فكم صبروا على هجير هجره صلاة يرسل غيثها في كل قطر من الأرض قطره ، وينبت روضها الأنف في السماء بين الأنجم الزهر زهره ، وسلم ومجد وكرم . فإنه لما كانت مدينة بعلبك والبقاعان أنموذج الجنة ، وغاية إذا جرت جياد الأفكار في ارتياد نزهة ثنت إليه الأعنة ، وبقعة إذا تمنت النفوس نفائس شيء كانت لتلك الأماني مظنة ، فهي أصح البلاد لأولي الذوق والظرف ، وأحسن مكان سرح في مدى ميدانه طرف الطرف ، قد ركبت على الصحة فما خطبت بخطب ، وعلى قول النحاة فقد منعت من الصرف ، أهلها أطع رعية ، وأكثر خيرا والمعية ، ينقادون لأميرهم ، وينادون لمشيرهم ،

--> ( 1 ) رمس : الميت دفنه وبابه نصر ، وأرمسه أيضا والرمس يوزن الفلس تراب القبر ، وهو في الأصل مصدر ، والمرمس يوزن المذهب موضع القبر . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 108 ) .